ابراهيم بن عمر البقاعي

535

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

العظيم الشأن يُبَيِّنُ اللَّهُ أي على ما له من العظمة لَكُمْ آياتِهِ أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه . ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحكم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نعم جسيمة وسنن جليلة عظيمة ، ناسب ختمها بالشكر المربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 92 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب ، احتيج إلى بيانه ، فبين تعالى المحرم منه . فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به ، وذلك محاذ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها ، فقال تعالى مذكرا لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا به . ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره ، وأضاف إليها ما وأخاها في الضرر دينا ودنيا وفي كونه سببا للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيدا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية ، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال : وَالْمَيْسِرُ أي الذي تقدم ذكره في البقرة وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ المتقدم أيضا ذكرهما أول السورة ، والزلم : القدح لا ريش له - قاله البخاري ؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال ، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار ، ولما كان الميسر مفسدة المال ، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب ، ولما كان تعظيم الأنصاب شركا جليا إن عبدت ، وخفيا إن ذبح عليها دون عبادة ، قرن بها نوعا من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام : ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال : رِجْسٌ أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عينا أو معنى ، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى ، ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت ، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ، ولا